السيد كمال الحيدري

416

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

إذن من حيث قواعد اللغة يذهب الباحثون في إعراب القرآن إلى أنّ الجار والمجرور في قوله : « في الأرض » متعلّقان بجاعل « 1 » . وهذا هو مقتضى القاعدة أيضاً ، لأنّ « جاعل » عامل متقدّم فيمكن أن يعمل في هذا الجار والمجرور . أمّا من حيث القرائن المضمونية فإنّ المشهد القرآني يفيد أنّ هذا الخليفة تعلّم الأسماء كلّها وليس تلك المختصّة بالحياة الأرضية وحدها ، فاستحقّ أن يكون مسجود الملائكة كلّهم وليس بعضهم دون آخر ، ومن ثمّ فهو يخلف ربّ العالمين في عالم الإمكان ، ويكون واسطة بينه وبين جميع مخلوقاته ولا اختصاص له بالأرض وحدها . لكن غاية ما هناك أنّ لهذا الخليفة بُعداً أو حيثيّة أرضية ، أو بُعداً بشرياً بحسب التعبير القرآني . هذه هي النتيجة الأولى . 2 انعدام الواسطة النتيجة الأخرى التي يمكن استخلاصها من الآية ، أن لا واسطة بين هذا الخليفة وبين الله تعالى حيث قوله : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا « 2 » . من هنا يمكن أن نستكشف مسألة أخرى مفادها أنّ المقام الذي وهبه الله سبحانه لهذا الخليفة لا يتمثّل بالنبوّة والرسالة ، لأنّ هذا الموقع يتحقّق للإنسان بوساطة الملائكة كما يدلّ عليه قوله سبحانه : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ « 3 » ، في حين إنّ الخلافة التي يدور عنها الحديث هي سنخ مقام لا يتوسّط فيها بين الله والخليفة واسطة ، وهى أقرب إلى مضمون قوله سبحانه : وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً « 4 » .

--> ( 1 ) إعراب القرآن وبيانه ، محيي الدين الدرويشى ، اليمامة ، دار ابن كثير ، بيروت ، 1408 ه 1988 م ، ج 1 ، ص 77 . ( 2 ) البقرة : 31 . ( 3 ) الشعراء : 194 193 . ( 4 ) الكهف : 65 .